المحقق الحلي
15
معارج الأصول ( طبع جديد )
بقليل انقلبت الحضارة العراقية إليها ، وتقدّمت تقدّما باهرا حتى على الزوراء ، ولا سيّما بعد مزعجات التتار عليها التي سلمت الحلّة منها ، وهي إلى جنبها . ثمّ اتسعت معارفها ، وتكاثرت فيها العلماء حسب اتساعها وحضارتها . وبعد نصف قرن من ظهورها نبغت فيها أساطين الإمامية ، ونوابغ الدهر ، وعجائب الدوران ، كابن إدريس الحلّي صاحب ( السرائر ) أستاذ نجيب الدين بن نما الحلّي ، وهو أستاذ نجم الملّة والدين الشهير ب ( المحقّق ) على الإطلاق صاحب كتاب ( شرائع الإسلام ) ، وحسبك العلّامة الحلي الشهير بابن المطهّر ، وولده فخر المحققين صاحب ( الإيضاح ) . وكثير من أمثالهم ممّا لا يتّسع موقفي هذا للإشارة إليهم فضلا عن استقصاء مآثرهم . وكانت الحلّة من أوّل القرن الخامس إلى أربعة قرون هي دار الهجرة لطلب العلم عند الشيعة الإمامية ، حتى أنّ الشهيد الأوّل هاجر إليها في أوائل القرن الثامن للحضور على العلّامة ، فلم يدرك من عمره غير أيّام قليلة ، فحضر على ابنه فخر المحققين . ما نريد سوى الإشارة الوجيزة إلى ما لتلك القارة الفيحاء من حديث المجد القديم ، والفضل التليد ، والحضارة والعمران . وحيث أنّنا لا نرى الفضل واستحقاق التقدّم إلّا بالعلم فلذلك اختصصنا بالذكر حظّها من العلماء ، وأنّها كانت دار مهاجرة العلم ، وإليها الرحلة . ولو اعتددنا بغير ذلك لقلنا فيها القصور الباسقة ، والعمائر الشاهقة ، ذوات الرواشن والأجنحة المطلّة على ذلك النهر الذهبي ( الفرات ) الذي ينساب بين تلك الجنان الفيحاء ، والحدائق الغنّاء ، التي تتحف سكّانها ومجاوريها في كل حين بأنواع الفواكه الشهيّة ، والثمار الجنيّة ، تمثّل لهم جنّة الفردوس ، ونفحات منازل النعيم والخلد . أمّا حضارتها في الشعر فحدّث ولا حرج ، فإنّ لتربتها ومائها وهوائها تأثيرا عجيبا في تلطيف الشعور ، وتنشيط القرائح ، وتوسيع الخيال ، وتمكّن